عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
87
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
إبليسَ ، وإنما اتَّخذها فُجَّارُ القُرَّاءِ سُلمًا ، وما كُفيتَ من المسألةِ والفُتيا فاغتنمِ ذلك ولا تُنافسهم ، وإياكَ أن تكونَ كمن يُحبُّ أن يُعملَ بقولهِ أو يُنشر قولهُ أو يُسمع قولُهُ ، فَإِذَا تُركَ ذلك منه عُرفَ فيه ، وإياك وحُبَّ الرئاسة ، فإنَّ الرجلَ يكونُ حُبُّ الرئاسةِ أحبَّ إِلَيْهِ من الذهب والفضةِ ، وهو بابٌ غامضٌ لا يُبصرُهُ إلاَّ البصيرُ من العُلماءِ السَّماسرةِ ، فتفقَّد بقلبٍ واعمل بنيَّةٍ ، واعلم أَنَه قد دنا من النَّاسِ أمرٌ يشتهي الرجلُ أن يموتَ ، والسلامُ " . ومن هذا البابِ أيضاً كراهةُ أن يُشهرَ الإنسانُ نفسهُ للناسِ بالعلم والزهدِ والدِّينِ ، أو بإظهارِ الأعمالِ والأقوالِ والكراماتِ ليزار وتُلتمَسَ بركتُهُ ودُعاؤُه ، وتقبيل يدُهُ وهُو مُحبٌّ لذلكَ ويُقِيمُ عليهِ ويفرحُ به أو يَسعى في أسبابهِ . ومن هنا كانَ السلف الصالحُ يكرهونَ الشُّهرةَ غايةَ الكَراهةِ ، منهُم : أيوبُ والنخعيُّ وسفيانُ وأحمدُ وغيرُهم من العلماءِ الربَّانيينَ ، وكذلك الفُضَيلُ وداود الطَّائيُّ وغيرُهما من الزُّهَّادِ والعارفينَ ، وكانوا يذُمُّونَ أنفسهُم غايةَ الذمِّ ويسترون أعمالهُم غايةَ السَّترِ . دخلَ رجلٌ عَلَى داودَ الطائيّ فسألهُ ما جاء به ؟ فَقَالَ : ( جئت ) ( * ) أزورك . فَقَالَ : أمَّا أنتَ فقد أصبتَ خيرًا حيثُ زُرتَ في الله ، ولكن أنا أنظرُ ماذا لقيتُ غدًا إذا قيل لي : من أنتَ حتَّى تُزارَ ؟ من الزهَّادِ أنتَ ؟ لَا والله . من العُبَّادِ أنتَ ؟ لَا واللَّه . من الصالحينَ أنت ؟ لَا واللَّه . . . وَعدَّدَ خصالَ الخيرِ عَلَى هذا الوجهِ ، ثُمَّ جعَل يُوبِّخُ نفسُه ، فيقول : يا دَاودُ ! كنتَ في الشَّبيبةِ فاسقًا ، فلمَّا شِبتَ صِرتَ مُرَائِيًا ، والمُرائي أشرٌّ من الفَاسقِ . وكان محمدُ بنُ واسعٍ يقولُ : لو أنَّ للذنوبِ رائحةً ما استطاعَ أحد أَن يُجَالِسَني . وكان إبراهيمُ النخعيُّ إذا دخلَ عليهِ أحدٌ وهو يقرأُ في المصحفِ غَطَّاهُ .
--> ( * ) أَحَبّ أن : " نسخة " .